ابن عربي
487
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 190 ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) وهم الذين يعقلون معانيها بما ركب فيهم سبحانه من القوة العقلية ، فهذه آيات دلالتها مشروطة بأولي الألباب ، وهم العقلاء الناظرون في لب الأمور لا في قشورها ، فهم الباحثون عن المعاني ، وإن كانت الألباب والنهى العقول ، فلم يكتف سبحانه بلفظة العقل حتى ذكر الآيات لأولي الألباب ، فما كل عاقل ينظر في لبّ الأمور وبواطنها ، فإن أهل النظر لهم عقول بلا شك ، وليسوا بأولي الألباب ، ولا شك أن العصاة لهم عقول ولكن ليسوا بأولي نهى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 191 ] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) الذاكرون ثلاثة : ذاكر قائم ، وهو الذي له مشاهدة قيومية الحق ، فيراه قائما على كل نفس بما كسبت ، فلا يشهده إلا هكذا في ذكره ، وذاكر قاعد ، وهو الذي يشهد من الحق استواءه على العرش ، وذاكر على الجنوب ، وهو يقرب من الغيوب ، لأنها حالة النائم أو المريض ، وهو قريب من حضرة الخيال وهي محل الغيوب ، وإنما قلنا ذلك لأن العالم مرآة الحق ، والحق مرآة الرجل الكامل ، وينعكس النظر في المرآة ، فيظهر في المرآة ما هو في المرآة الأخرى ، لا يعرف ذلك إلا من رأى ذلك « وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » التفكر بمعنى الاعتبار لا يكون في أحد من المخلوقين سوى هذا الصنف البشري ، وهو لأهل العبر الناظرين في الموجودات من حيث ما هي دلالات ، لا من حيث أعيانها ولا من حيث ما تعطي حقائقها ، لذلك قال تعالى : « وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » فإذا تفكروا أفادهم ذلك التفكر علما لم يكن عندهم ، فهم أصحاب البصر الذي يعتبر ، وصاحب الأذن التي تعي وصاحب القلب الذي يعقل ، فيعطيهم التفكر مما سمعوا وأبصروا وتقليب الأحوال عليهم أن يقولوا « رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ » فسبحوه ، أي جعلوه منزها عن إيجاب العلة عليه في خلقه ، لأنه إذا خلقها لحكمة فكأن تلك الحكمة أوجبت الخلق عليه ، وما ثم موجب عليه إلا ما يوجبه بنفسه على نفسه لخلقه امتنانا منه لصدق وعده لا غير ،